التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمـــي .. ولـــــكن !!!


عندما يتحدث الأخرون عن عيد الأم أتذكر أيامنا فى الثانوية حيث كنا نجلس فى شكل دائرى ونتحدث عما فعلنه بنا أمهاتنا .. من تفاصيل ، وغضب ، ونقد . كل فتاة منا كانت من مجتمع ، وتربية ، وموازين مختلفة عن الأخرى ولكن جميعنا كنا نعاني من تربية الأم السودانية.
وفي كل صباح كانت تنضم الى حزب النقاش فتاة جديدة .. وكنا نكتشف أن الامهات السودانيات مهما اختلفت مستوياتهن العلمية او البيئية فهن من حواء سودانية واحدة بمعايير ثابته .. حتى اننا دُهشنا حينما أكتشفنا أن حتى الفاظ (التجريح، والزجر والعقوية) متشابهه اذا لم تكن متطابقة . ورحمة الله عليه دكتور عبدالجليل كرار"مدير مدرسة المنار الجديد بنات" كان يأتي ليجلس معنا ويطلق علينا ( جمعية مناهضة الأم السودانية ) فكنا نعترض على لفظ الأم ونضيف (تربية الأم) السودانية .. من الجانبين تربيتها هي كفتاة ، وحينما تغدو مُربية .
كنا نفتتح النقاش بملاحظات أو أسئلة صغيرة مثل ( تفتكروا في زول فى السودان بكره أمه ؟ ) كانت الاجابة المعتادة لا وكان السؤال الذي يليه لماذا ؟ كان الرد .. بعد صمت طويل للبحث عن مبرر، وخوفنا منه نقول لأنها بإختصار أم .. السؤال الذي يليه هل هنالك فى العالم شخص يكره أمه فكانت الاجابة بالاجماع نعم .. حينما أتذكر هذه التفاصيل وهذه الاجابة الاخيرة بالتحديد أُدرك ان حتى إحساسنا بالامومة وبقداستها هو مجرد خوف وليس حقيقة .. فكما يوجد الحب يوجد الكُره ولكن إنتفاء الكُره في الإجابة الاولى سببه تخوفنا من( القداسة) الكلمة المرتبطه بالامهات منذ والدتنا ..
كانت صديقتي الجميلة أسماء تقول ( انته عارفين امهاتنا الخربِن شنو ؟ التعليم ) وهنا نضحك وإحدى الصديقات تعتقد فى هذه العبارة وتقول ( الله يجازى بابكر بدري) كان تعليق اسماء زاوية أخرى للنقاش ما الذي يختلف فى الأم المتعلمه عن الأم الأمية او ذات المستوى التعليمي المتدني فكنا نتفق على أن الأم ( ذات الشلوخ ) صوت حنانها أقوى تجاه أبنائها من الأم المتعلمه ، فالتعليم يجعل الأم تعتقد فى ذاتها أكثر من بيتها فتتوق للتطوير الذاتي والدرب العملي ، ولكن نتائج كل هذه الطموحات هو سلوك أبناء وفق تربية أم أو فلنقل سيدة مجتمع لا تهتم بالتفاصيل .. كانت هذه مشكلتنا فى ( الشلة) التفاصيل ..
أن الامهات المتعلمات او العاملات لا يهتممن بالتفاصيل . وقاسمنا المشترك (ووجعتنا ) انهن متعلمات .. كنا نتحدث عن امهاتنا بتجرد عاطفي لكي لا نقع فى شرك عواطفنا ولا نجد حلول لمشاكلنا الشخصية مع امهاتنا .. للاسف الأم السودانية تعتقد بصورة قاطعه انها انجبت إبنتها من اجل المسئولية البيتيه ، لذلك ( ياما بيوت) تديرها الإبنة السودانية ليس لرغبتها فى ذلك انما لتربيتها على ذلك .. لا اعتراض على انها خصلة جيدة لتحمُل المسؤولية ولكن في ذات الوقت تُكسِبُها صفة (البيتوتية ) لذلك الى الان المرأة السودانية لا تستطيع ان تطول السماء بيديها ولا تصل الى العالمية ، لان تربيتها تربية لتسلُم ذمام أمر بيت وليس أسرة .. فالاسرة تعني زوج وإمتداد عشيرة أخرى .. كنا نحاول مناقشة قضية القداسة التى تخنقنا فى علاقاتنا بإمهاتنا ..
هل تستخدم الامهات سلاح القدسية للتمدد بإستبدادهن وسيطرتهن على حساب اجيال قادمة ؟ .. كنا كثيرا ما نحاول البحث عن العذر لهن بالضغط البيتي ، وهموم العمل ، وسلوك الأب السوداني تجاه الزواج وشريكة حياته وما الى غيرها من الاعذار .. ولكن لم تكن من ضمن هذه الاعذار كلمة ( نحن) -الابناء - وهي العبارة التي تتعلل بها الامهات فى المجتمعات الأخرى ان من ضمن هواجسها ابنائها .
خرجت صديقتنا الأء من ذلك النقاش بعبارة ( نحن) وسألتني اليوم الذي يليه( تفتكري يا ملاذ نحن ربينا نفسنا بنفسنا ؟) وهذا السؤال أكدته إحدى صديقاتنا فى الجامعه بجملة خبريه ( نحنا ربينا نفسنا بنفسنا).. الحنان .. الامان .. العطف .. كلمات نشعر بها من أمهاتنا ولكن فى وقت باكر جدا او متأخر جدا .. أما ( بين ، بين ) نعاني كما تعاني هي .. فيتقلص عطائها لهذه المعاني ونتسائل هل نضجنا الى درجة اننا لا نحتاج هذا الاهتمام ؟ هل كل أم تمتنع عن عطفها بمجرد ان يُفطم الطفل ولا يقترب من ثديها ؟ . ( البت ضرة أمها ) ليست عبارة خاطئه لأن البنت أقرب الى أبيها من أمها على إعتبار ( كل فتاة بابيها معجبه) ، ولكن من الذي خلق هذه الحساسية بين الأم وإبنتها ؟
كنا نحس وقتها ان هذه القضية ( جندريه) فأي رجل او إبن لا يشعر بهذا الوجع . فالأمهات دائما يُقربن الأبناء أكثر إليهن .. وهذه غريزة عند الأم لأن الزوجه السودانية التى لا تنجب أبناء ذكور فى أسرة زوجها ليس لها ( ضهر) او ( عِزوة). لذلك هو حمايتها وسندها فى المجتمع.تناقشنا مع أبائنا حينها عن إمهاتنا لماذا لا يُقدِرن أن لكل فتاة منا إهتمامات واحلام وهوامش أخرى فى حياتها فكان اباؤنا يجيبوننا إما بشي من القسوة ، أو إحساس بالتفهم، أو بُعد تحيزي ، لكن لم يستطيعوا إنصافنا او إدانتهم .. فأصابنا الاحباط بهذه السلبية وأكثر تأثراً فينا حينها أسماء حينما قالت كلمة المعري ( هذا ما جناه علي أبي وما جنيتُ على أحد).
إتفقنا فى يوم عيد الأم على عبارة واحده فى بطاقات المعايدة الخاصه بأمهاتنا ألا وهي ( أمي العزيزة .. ولكن ، الحنان عاطفة تُوهب ولا تُرشَد .. كل عام وانتي بألف خير .. إبنتك ملاذ )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جلسة مغلقة

    جلسة مغلقة قصة قصيرة الحاجب: قضية رقم 1274 المدعى عليه جابر عمران محمد الشاكية الزوجة صفية عز الدين وصفي القاضي: ماهي حيثيات القضية أيها المحامي؟ المحامي: سيدي القاضي ترغب موكلتي بجلسة مغلقة  القاضي: ولماذا؟ المحامي: مسألة شخصية وحرجة  القاضي: الرجاء إخلاء قاعة المحكمة تذمر الجميع وخرجوا متثاقلين من بينهم صحفي شاب كان يدون معظم القضايا وينقلها للرأي العام في إحدى الصحف. اقتربت الزوجة مرتبكة من منصة القاضي مع زوجها في معية المحامي   القاضي: اذن ماهي شكواك؟ في هذه الأثناء وأمام باب القاعة كان الصحفي يمشي جيئةً وذهابا وكله فضول لمعرفة فحوى القضية محاولا اقناع حاجب المحكمة أن يدخله من الباب الخلفي وسيكافئه بعلاوة، ولكن لا حياة لمن تنادي. نظر لمن كانوا معه في القاعة لا أحد يبدو عليه ذا قرابة إلا شابة ترتدي ثوبا أبيض بها أثار حزن بائن.  الزوجة: إنني معلمة وأم وكما هي عادة المرأة    تعمل ليل نهار في خدمة أبنائها وزوجها وأهله في أحيان كثيرة. وأعود من عملي منهكة وأحاول جاهدة تلبية طلبات كل من في البيت ما عدا زوجي الذي استعصى علي طاعته القاضي: لماذ...

من أنا؟

 اذا جزمنا أن أحوال النفس وتعقيداتها تشبه تشابك الأسلاك الكهربائية وخيوط كرة الصوف حينما تتزاحم ما بين قدميك وتتعارك  حتى تعيدها لحالة التصنيع، فإنه بالضرورة محاولة وصف شخصيتك أكثر تعقيدا منها  بمجرد ما سألني المتحدي المجهول أكتبي أو أوصفي شخصيتك انتابني الذعر، وحاولت إخراج نفسي من نفسي لتراني وتخبرني بصدق وصراحة فجة أو بريشة فنان ليرسم ما تبوح به شخصيتي صدقاً وبلا لف أو دوران تمر ليالي في حياتي أبحث في تحليل منجمي الفلك أو علم النفس عن ما لا أعرفه عني أو ما لا أفهمه في  وتدهشني ثقتهم المتفانية لتصنيف البشر على كثرتهم وعللهم وبيئاتهم مفترضين أنهم يتشابهون كفئات وكحالات، رغم أن التخريف ليس مقنع، ولكن أجدني أضلل نفسي بوصف برج العذراء المرأة  فيصفونني بما لم أعرفه وما لم أكتشفه وبما لن يكون في أبداً مثلاً الوفاء رغم أنها صفة ينشدها الجميع، ولكن هي صفة تقترن بالكلاب لعدم حيلتها، ومن يوفي هو من لا حيلة له، وهذه قصة طويلة قد أفرد لها مساحة لاحقا   المرأة العذراء تنتقد الجميع حتى نفسها وهنا يصيبون الهدف تماماً أما هل هي تحتمل النقد هذا ما لا طاقة لي للإجابة عليه ؟...

البكر ما عوير .. إنما محقون بالتجارب الفاشلة

مع كل عام يمضي فيه عيد مولدي وآخر يأتي بعمر جديد احاول ان انظر لكل هذه السنوات بشى من التفحص لكي لا تغيب عن الذاكرة دونما دراسة كامله للوجه المشرق والسلبي للإبن البكر . فحينما يسألني احدهم عن ترتيبي فى أسرتي أجيب ( البكر) وأًعقب ( لكن ما عويره ) .. الابن الاكبر او البنت الكبرى وتجارب الفشل من الوالدين. كثير من التجارب تفشل نسبةً للدلال الزائد فهو مؤشر خطر لمراحل متأخرة للجنسين ،أيضاً الصرامة والغلظة تؤدي الى تأثيرات نفسية للطفل تجاه والديه ، لكن الفشل الذي اعنيه ليس فى سلوكيات الابن أوالابنه انما فى تأثيرات التربية على المدى البعيد في تفاصيل يمارسها الأباء ولا يدركون عواقبها. فالبنت الكبرى مثلا هي ضحية لفشل الام السودانية فى تحديد سلوكياتها تجاه ابنتها فدائما تريدها متميزة ، ست بيت ممتازة ، شاطرة وفى ذات الوقت مطيعه جدا على حساب كل الذى سبق .. أما الابن الاكبر هو سند ابيه ودائما يحاول ان يغرس فيه ويطبق معه خشونة التجارب وتعليمه الصرامة فى التفكير لكي لا تنكسر شوكته فى المجتمع ، لكن يبدو ان ابائنا كما قال احد الدعاة يحاولون تربيتنا لننفعهم هم وليس لتنضج انفسنا .. فتربية الفتى اوالفتاة ف...