التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزيف

 في البدء أنا أنثى وإمرأة دون أن احتاج لاشعال حرب مع الرجل لأثبت ذلك، وإنسانتيتي تلزمي أن أخوض حربا عن كليهما ومن أجلهما معاً وليس ليقف كليهما ضد الآخر

ما يجب أن نخوض من أجله الحروب هو أنفسنا، ذواتنا فالدواخل ملغمة بقنابل تحتاج التفجير أو إبطال مفعولها في الحال

وأنا أكتب هذه العبارة أعلاه خطرت في بالي (سيدة) أعرفها لطالما شعرت أن حملها ثقيل وأن دواخلها تضج بالمسكوت عنه،  والمصبور عليه، أشفق عليها وأحترمها، فليس من السهل الصبر لعشرات السنوات على تجربة وإثنين وعشرة قاسية دون الحاجة للانفجار والصراخ

انا أكتب الآن بفضل خادمة مسلسل مايد أليكس خادمة تكتب وتتوجع عبر الكلمات دون أن يسلبها أحد حق الكتابة

حينها تذكرت كم كنت أنهمر على دفاتري وأنا صغيرة أكتب ما يلهمني ويوجعني ويحررني من أحزاني 

كنت أشق طريق الأشواك بفخر، رغم علمي أن الخطر قادم في أي لحظة إذا تجرأ أحدهم وتلصص على ما أكتب خطأً. عندها ستسحق الخصوصية ويبدأ الاستجواب عما كتبت وعمن كتبت

بالمناسبة ليس سهلا وسط حشد حشري ممعن في التسلط والتلصص أن تحافظ على كلماتك وهي تتبختر لوحدها فوق سطور الدفاتر دون أن تشعر بالجمل وهي ترقص أمام مرآة الحقيقة والوضوح

أحذر فهناك من يشتم انتصاراتك الداخلية مهما أخفيتها، فاللصوص والجواسيس والخبراء لديهم حاسة شم

على فكرة مسلسل مايد أضاء عقلي بكثير من المشاعر التي لم أدركها عن الانسان وعن الظروف، سألت نفسي هل كنت سأحتمل ما تحتمله؟ هل سأنجو؟ هل سأكافح كما فعلت؟ الإجابة لا أعلم

فالصبر صفة للأصفياء في هذه الحياة نعمة تمنح بهبة إلاهية، وقلة من يجتازون اختباراتها ببهجة ورضا

الساعة تقترب من الثانية صباحاً وسكون الغرف طاغي ومحفز لصريخ الكلمات على دفتري. هو في سبات عميق فقد حباه الخالق بنعمة الانقضاض على النوم ليهرب من زحام الضغوط الحياتية، ولكن لا أدري هل ذلك يخفف عنه أم يستخدمه (كبنادول) للتهدئة ويعاود الهرولة من جديد 

أحيانا يشبه أم اليكس في مايد ترى نفسها في عالم توقعاتها لنفسها، وتنكر مدى فداحة واقعها المشئوم، أعجبني هذا التعالي في شخصيتها رغم أن الحياة حرفتها في متعرجات خطيرة ومصيرية إلا أنها تترفع بشهامة حتى إن رءاها الناس مجنونة أو مريضة نفسيا.

فالخوف والضياع حالات نفسية قلة من ينجون من شظاياها دون دماء وكسور وألم

هو يشعرني أنه يجاهد لكي يهرب من وجعه وماضيه وانكساراته وطفولته دون أن يهتز كبريائه، وما تبقى لديه من حنايا سليمة لم يطأها المرار بعد.

أعتقد كلنا ذلك الرجل الذي يزحف للخروج من نفق الوجع الداخلي إن كان بسبب الآخر أو الظروف أو اللاشئ.  نتشبث بشمعدان يضئ حتى آخر الرواق، فمحظوظ من لا يخذله الشمعدان وبائس من يتحمل قطرات الشمع الساخنة التي تحرق يداه المرتجفتان، ولا يستطيع ابقاء الضوء حيا أكثر من ذلك. قد يتخبط حتى يصل فيبقى عيناه مغلقتان على نقطة الخلاص أو يسقط بسبب فزع الظلمة أو متاهات الطريق 

لم أشعر يوما أن الكتابة شفاء ولكنها كانت دوماً احتراق لا ينطفئ فكلما أكتب يشتعل عقلي بالأفكار ويغمرني حماس مبهم لا يترجم لشئ أو هدف إنما فقط كلمات مرصعة بالعرق والندى البلوري.

بينما أبحث عن دفتر أكتب عليه خلجات مشاعري يصادفني ورق قديم لدورة تدريبية كنت حضرتها في قطر قناة الجزيرة، ، كلما بعثرت اوراق تاريخي يدهشني المرأة التي كنتها ، افتقدها ولا افتقدها أشتاق لها ولا أشتاق، لا أدري هل الآن تعجبني؟ فخورة بها؟ أفهمها؟ لا إجابة محددة ، ولكن أحب بعثرة الأوراق وإن اندهشت بما صنعت فأنا على حد علمي اتحلى بضعف ذاكرة شديد لذلك يفيدني الاسترجاع حتى اتذكرني


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا يُرى بالعين المُحرضة

المداومة على الشرب والأكل ومصارعة المدير او الزوجة فى حياتك وأنت تحظى بمرتب شهري ثابت لا يعني ذلك أبدا أنك تعيش الواقع ، إنما أنت تعيش واقعك الخاص بك فقط . والكثير منا من الحظ بمكان لكونه على اتصال بأهله ويشاطرهم أتراحهم قبل أفراحهم ، لكن القليل منا من فقد عزيز عليه غدراً أو ظلماً في حرب يومية أو صراع ما وهؤلاء هم فقط من عايشوا الواقع ليس واقعهم إنما الواقع الآن. الواقع الذي هو أبعد من تصورنا في أحيان كثيرة ، الواقع الذي نقرأه على صفحات الجرايد بمعدل يومي من جرائم قتل عصيٌ على العقل تقديرها. أصبحت في كل صباح أرى المراسلة في مكتبي يجرجر أقدامه وتتقطر من بين يديه دماء رائحتها نفاذة وهو يحمل حزمة الصحف اليومية ، حتى غدوت أسأله بدم من تلطخت يداك هذا الصباح . أحياناً أراها حمراء فاقعة تملأ باحة مكتبي ويداي فأفكر بغسلهما عسى الا أشتم رائحة الدماء. السؤال هل إذالة البقع تعني أننى محوت أثار دمائهم من واقعي او تفكيري ؟ ما أصارعه عند كل جريمة اقرائها ليس الخوف أن يحملني القدر لأكون في الصفحة الأولى بشريط أسود على عيناي ، إنما ما أعانيه أنني كم مرة ساهمت وسأساهم في تحريض فتىً يافع ، أو أم ، او أب...

جلسة مغلقة

    جلسة مغلقة قصة قصيرة الحاجب: قضية رقم 1274 المدعى عليه جابر عمران محمد الشاكية الزوجة صفية عز الدين وصفي القاضي: ماهي حيثيات القضية أيها المحامي؟ المحامي: سيدي القاضي ترغب موكلتي بجلسة مغلقة  القاضي: ولماذا؟ المحامي: مسألة شخصية وحرجة  القاضي: الرجاء إخلاء قاعة المحكمة تذمر الجميع وخرجوا متثاقلين من بينهم صحفي شاب كان يدون معظم القضايا وينقلها للرأي العام في إحدى الصحف. اقتربت الزوجة مرتبكة من منصة القاضي مع زوجها في معية المحامي   القاضي: اذن ماهي شكواك؟ في هذه الأثناء وأمام باب القاعة كان الصحفي يمشي جيئةً وذهابا وكله فضول لمعرفة فحوى القضية محاولا اقناع حاجب المحكمة أن يدخله من الباب الخلفي وسيكافئه بعلاوة، ولكن لا حياة لمن تنادي. نظر لمن كانوا معه في القاعة لا أحد يبدو عليه ذا قرابة إلا شابة ترتدي ثوبا أبيض بها أثار حزن بائن.  الزوجة: إنني معلمة وأم وكما هي عادة المرأة    تعمل ليل نهار في خدمة أبنائها وزوجها وأهله في أحيان كثيرة. وأعود من عملي منهكة وأحاول جاهدة تلبية طلبات كل من في البيت ما عدا زوجي الذي استعصى علي طاعته القاضي: لماذ...

من أنا؟

 اذا جزمنا أن أحوال النفس وتعقيداتها تشبه تشابك الأسلاك الكهربائية وخيوط كرة الصوف حينما تتزاحم ما بين قدميك وتتعارك  حتى تعيدها لحالة التصنيع، فإنه بالضرورة محاولة وصف شخصيتك أكثر تعقيدا منها  بمجرد ما سألني المتحدي المجهول أكتبي أو أوصفي شخصيتك انتابني الذعر، وحاولت إخراج نفسي من نفسي لتراني وتخبرني بصدق وصراحة فجة أو بريشة فنان ليرسم ما تبوح به شخصيتي صدقاً وبلا لف أو دوران تمر ليالي في حياتي أبحث في تحليل منجمي الفلك أو علم النفس عن ما لا أعرفه عني أو ما لا أفهمه في  وتدهشني ثقتهم المتفانية لتصنيف البشر على كثرتهم وعللهم وبيئاتهم مفترضين أنهم يتشابهون كفئات وكحالات، رغم أن التخريف ليس مقنع، ولكن أجدني أضلل نفسي بوصف برج العذراء المرأة  فيصفونني بما لم أعرفه وما لم أكتشفه وبما لن يكون في أبداً مثلاً الوفاء رغم أنها صفة ينشدها الجميع، ولكن هي صفة تقترن بالكلاب لعدم حيلتها، ومن يوفي هو من لا حيلة له، وهذه قصة طويلة قد أفرد لها مساحة لاحقا   المرأة العذراء تنتقد الجميع حتى نفسها وهنا يصيبون الهدف تماماً أما هل هي تحتمل النقد هذا ما لا طاقة لي للإجابة عليه ؟...